البومبا

في الوقت الذي تحولت فيه سيدي افني إلى مركز جذب مهم  يمنح اللجوء السياحي للهاربين من حر الصيف القائظ، وفي الوقت الذي اعتقد فيه  الجميع أن إنشاء محطة معالجة المياه المستعملة سيضع حدا نهائيا لتلوث  البحر، وسيعيد الامل في تحول هذا الاخير الى وجهة سياحية مهمة، بدأت سيول “واد الحار” تتدفق بغزارة  على الشاطئ من جديد،  و ترسم صورة قاتمة حول مدينة تراهن  على القطاع السياحي من أجل تحريك عجلتها اقتصادها  المتعثرة.

وأن تكون  عجلة الاقتصاد المحلي متعثرة  فهذا لا يشكل بالمرة تحديا يصعب التغلب عليه، فخطة تنمية  يقودها  العقلاء  ممكنة التنفيذ، وكفيلة بتجاوز العقبة.  إلا أن المشكل العويص ، وللأسف، يكمن هي هذه “البومبات” التي تنفجر، من حين لأخر، مخلفة خسائر فادحة تعيق تقدم  قاطرة التنمية المحلية على طريقها الصحيح.

ولم نكد ننته من كارثة النائب الاقليمي لوزارة التربية الوطنية بسيدي افني، الذي رسم خارطة قطع طريق على ترميم مؤسسة الحسن الاول، من خلال قرار هدم في حق “الارديكو”، ضدا على البرامج الحكومية نفسها،  حتى حلت أزمة “واد الحار” الذي بات يعانق أمواج البحر بعد فراق طويل.

ويبدو أن قصة الحب الجارف بين “الواد الحار” و شاطئ سيدي افني عصية على الانتهاء، ولهذا فما أن تعطلت  “البومبا”  في محطة  المعالجة حتى تذكر الواد “الواعر” طريقه  ليسير طوعا  على خطى الحبيب الاولِ.

إن هذا اللقاء غير المرحب به، اذا ما كتب له الاستمرار،  فسيتسبب حتما  في نسف فرص التنمية السياحية، إذ أن تحول الشاطئ الى قناة عبور علني  للمياه العديمة، في طريقها اليومي صوب مياه البحر، سيسهم، ودون أدنى شك، في انخفاض نسبة الزيارات الداخلية والخارجية على حد سواء.

و منذ اشتغال محطة المعالجة ، ظل شعور مفعم بالارتياح رفيق المواطنين  وهم يستمتعون بخطواتهم بعيدا عن تلك الروائح النتنة، فيما كان الامل يحدو اخرين في أن تتخلص المدينة نهائيا من  تصنيف مخجل يضعها  ضمن خانة الشواطئ الاكثر تلوثا في المغرب.

وما يجب التأكيد عليه هو أن  هذا التصنيف ليس مجرد رقم يظل حبيس لائحة سوداء أعدها الخبراء في الميدان، بل أن ذلك  يترتب عنه  اثار سلبية قد تصل خطورتها الى  تضاؤل فرص الاستثمار السياحي في  مدينة لا يختلف اثنان عن كونها  لا تستطيع  استنشاق هواء التنمية السليمة  إلا من خلال رئة السياحة المختنقة أصلا بسبب حالات التلوث السياسي والسياحي في ان واحد.

من هنا يمكن النظر بوضوح الى حجم المسؤولية الكبيرة  التي يتحملها المكتب الوطني للماء الصالح للشرب الذي أغمض عينيه، طوال هذه المدة، عن هذه الكارثة البيئية التي تفوت علينا فرص استعادة الموقع الطبيعي للبحر  باعتباره أحد المنتوجات المهمة للتسويق السياحي في العالم.

ويبدو أن هذا المكتب لم يكفه أن يمرغ سمعة المدينة في وحل “الواد الحار”، بل أنه زاد الطينة بلة و زاد   من صبيب “الشوهة” ليصل الى  حرمان أحياء بكاملها  من الاستفادة من الماء في عز موجة الحر الشديد،  وحتى  دون إخبار مسبق للمواطنين.

وأمام انبعاث هذه الروائح الكريهة من الشاطئ  و الانقطاع غير المنتظم للماء، الذي اصبح مجددا  مثار خوف حقيقي من تسببه في حالات الاسهال الحاد ــ و ليس مستبعدا أن يدفع السياح الى  قطع تذكرة المغادرة الاجباريةــ  نرى كيف يتخلى المكتب الوطني للماء الصالح للشرب عن مسؤوليته في هذه الازمة ويتفرغ للبحث عن الأعذار، كما تعود على ذلك، ضاربا عرض الحائط بحجم الخسائر المترتبة عن وضع كارثي هو وحده، ولا أحد غيره، من  يتحمل مسؤولية عواقبه.

 إن المكتب الوطني للماء الصالح للشرب يضع نفسه متهما،  ليس فقط من خلال حرمان المواطنين   من الاستفادة من خدمات يؤدون مقابلها فاتورة ثقيلة، ولكن كذلك لتسببه في كارثة بيئية لها ما بعدها من  تداعيات  سلبية  على سمعة  المدينة، تداعيات قد   تتضاعف مخاطرها مع استمرار  الاستخفاف غير المقبول بالمسؤولية، والتهاون في ايجاد حل لهذه المعضلة التي لا تليق بمستوى  إقليم يتباهى  باحتضانه  للتظاهرات الدولية.

فكيف يعقل ياترى أن نتجرأ على دعوة الوفود الاجنبية للمشاركة في تظاهرات فنية وثقافية في الوقت الذي نخوض فيه حرب استنزاف ضد مؤهلاتنا الثقافية والبيئة  التي تحتل الصدارة في برامج و شعارات الدولة؟!

وعوض  أن يبادر رئيس المجلس البلدي لسيدي افني إلى المساهمة من جانبه في حل هذه الازمة   التي تشتد على المواطنين إلى جانب أزمات اخرى ليس أسوأها  النقص الحاد في الخبز ما “شيع” الباب أمام ارتفاع  سعره في السوق السوداء حتى وصل الى 3 دراهم ، أرسل نائبته الى مقر العمالة بمناسبة  اليوم الوطني للمهاجر لتبسط أمام الحاضرين “حصلته” في تدبير الشأن المحلي.

وهكذا وبعد أن استمع الجميع  لكلمة السيدة النائبة لم يجد المهاجرون،  و لا انصارها ، على قلتهم،  في العرض شيئا يُدكر بإنجازات البلدية، سوى ما “شاط” من  الفائض الحقيقي ل “الفوحان” الذي لاحت نهايته في الافق القريب.

ولم يكن مفاجأ  أصلا أن يقف  حمار الشيخ، أمام أنظار الجميع، في عقبة هذا الامتحان السنوي، الذي ينتظره المهاجر  للاطلاع على حصيلة الانجازات المحققة  لعلها تُقنعه بجدوى استثمار يعفيه من العودة الى ديار  المهجر، حيث  الازمة الاقتصادية الخانقة، فالبلدية، كما لا يخفى على أحد،  لم تتخصص في سنواتها  الاربع  العجاف سوى في  “العراضات” على حساب المال العام، توجتها  موائد الإفطار السياسي اليومية  التي يهم الرأي العام معرفة مصادر تمويلها.

وقد يكون الاستثمار السياحي بالفعل هو طوق النجاة لسيدي افني اذا تظافرت جهود الجميع، وفهموا أن “الشفوي” لا يكفي لوحده في ضخ المزيد من الوقود في محرك الاقتصاد المعطل، بل أن المطلوب هو حماية وتثمين مؤهلات المدينة ، وعلى رأسها التراث العمراني، واستثماره في  جلب الاهتمام المتنامي  بالسياحة الثقافية.

أما “سيدي الهضري”  فلم يقد يوما الى طريق الخلاص  بقدرما كان  عصا مضافة  الى كثرة العصي في “رويضة” التنمية المحلية التي يدعي بعض “الحراقة” قدرتهم على تحقيقها ،  فيما همهم الاول والاخير  هو خدمة أجندة سياسية من خلال  البحث الحثيث عن  أي  طوق للنجاة أملا في إنقاذ “رايس”  فلوكتهم الغارقة في وحل ما بعده خلاص.

ولربما كانت  هده “السخانة” هي ما دفع  حفنة من “الحراقة”، نسبة لإحراقهم  أوراق “اعتمادهم” أثناء الاجتماع الاخير ، إلى فقدان وعيهم، واستعجال  “الدفيع” في غير وقته، بغية تحويل  جمعية ، تقول أوراقها أنها مهتمة بالاستثمار،  الى قناة لعبور للرسائل السياسية، عوض الاهتمام بأهدافها الحقيقية  المسطرة في قانونها الاساسي.

إن ما يجب التصدي له في سيدي افني اليوم ، بعد انهيار مؤامرة زعزعة الاستقرار التي لم تفلح في تكريس منطق الابتزاز المستند  الى شعارات انفصالية بائدة، و دعوات استقواء بمنظمات دولية  سياسية، وليست حقوقية، هو انخراط المجتمع المدني في الوقوف ضد كل اشكال  “اللجوء” السياسي للهاربين من سلطة  القانون، الذي يجب أن يطبق على الجميع دون استثناء، و  ملء هذا الفراغ القاتل  الذي  تحول الى بيئة ملوثة تمنح  الحياة ل”التبرهيش” السياسي حتى صار كل من هب ودب يحمل على صدره  صفة ناشط حقوقي  زورا وكرها،  ويتوهم أن في يده “بومبا” يكفي الضغط بها وعليها  ليتحقق  الانفجار.

مشاركة الموضوع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *